الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

105

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وحمزة - بتاء فوقيّة ونصب مَيْتَةً وما عطف عليه - عند من عدا ابن عامر . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر - بتاء فوقيّة ورفع مَيْتَةً - ويشكل على هذه القراءة أنّ المعطوف على ميتة منصوبات وهي : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . ولم يعرّج عليها صاحب « الكشاف » ، وقد خرّجت هذه القراءة على أن يكون : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً عطفا على أَنْ وصلتها لأنّه محلّ نصب بالاستثناء فالتّقدير : إلّا وجود ميتة ، فلمّا عبّر عن الوجود بفعل يَكُونَ التّامّ ارتفع ما كان مضافا إليه . وقوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ تقدّم القول في نظيره في سورة البقرة [ 173 ] في قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . وإنّما جاء المسند إليه في جملة الجزاء وهو رَبَّكَ معرّفا بالإضافة دون العلميّة كما في آية سورة البقرة [ 192 ] : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما يؤذّن به لفظ الربّ من الرأفة واللّطف بالمربوب والولاية ، تنبيها على أنّ اللّه جعل هذه الرّخصة للمسلمين الّذين عبدوه ولم يشركوا به ، وأنّه أعرض عن المشركين الّذين أشركوا معه غيره لأنّ الإضافة تشعر بالاختصاص ، لأنّها على تقدير لام الاختصاص ، فلمّا عبر عن الغفور تعالى بأنّه ربّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام علم أنّه ربّ الّذين اتّبعوه ، وأنّه ليس ربّ المشركين باعتبار ما في معنى الربّ من الولاية ، فهو في معنى قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [ محمد : 11 ] أي لا مولى يعاملهم بآثار الولاية وشعارها ، ذلك لأنّ هذه الآية وقعت في سياق حجاج المشركين بخلاف آية البقرة [ 172 ] فإنّها مفتتحة بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ . والإخبار بأنّه غفور رحيم ، مع كون ذلك معلوما من مواضع كثيرة ، هو هنا كناية عن الإذن في تناول تلك المحرّمات عند الاضطرار ورفع حرج التّحريم عنها حينئذ فهو في معنى قوله في سورة البقرة [ 182 ] : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * . [ 146 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 146 ] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 146 ) جملة : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عطف على جملة : قُلْ [ الأنعام : 145 ] عطف